مناع القطان

103

نزول القرآن على سبعة أحرف

فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحوّل إلى غيرها من اللّغات ، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة ، فوسّع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا ، فكانوا كذلك ، حتى كثر من يكتب منهم ، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقرءوا بذلك على تحفظ ألفاظه ، ولم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها ، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص ، لضرورة دعت إلى ذلك ، ثم ارتفعت تلك الضرورة ، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف ، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد » . قال أبو عمر : « وهو الذي عليه الناس في مصاحفهم وقراءاتهم من بين سائر الحروف ، لأن عثمان رضى اللّه عنه جمع المصاحف عليه » قال : « وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه ، وتجوز الصلاة به ، وباللّه العصمة والهدى » « 1 » . فالواضح من ذلك أن يكون اللّه تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب ، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزّل عليهم أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها ، على اختلافهم في الألفاظ ، واتفاقهم في المعنى ، ولم يكلّف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم ، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحميّة من ذلك ، فتأخذه العزّة ، فجعلهم يقرءونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم منّا منه عزّ وجلّ لئلا يكلفهم ما يشق عليهم ، فيتباعدوا عن الإذعان ، وكان الأصل على ما عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الألفاظ والإعراب جميعا مع اتفاق المعنى ، فمن أجل ذلك جاء في القرآن ألفاظ مخالفة ألفاظ المصحف المجمع عليه ، كالصوف ، وهو : كَالْعِهْنِ « 2 » ، وزقية ، وهي : صَيْحَةً « 3 » ، وحططنا ، وهي : وَضَعْنا « 4 » ،

--> ( 1 ) المحرر الوجيز ص 106 - 107 نقلا عن التمهيد لابن عبد البر . ( 2 ) القارعة : 5 . ( 3 ) يس : 29 . ( 4 ) الشرح : 2 .